حكومة الجنزورى و(الوقت المستقطع) لنظام يوليو


سياسة        18 ديسمبر, 2011      

مشكلة نظام يوليو لم تقتصر أبدا على استبداده واستعلائه على الشعب، ولا على استخدامه المنهجى للتعذيب واهانة الإنسان لإخضاعه. مشكلة هذا النظام تكمن أيضا فى فشله فى إدارة دولة تنموية تقود نهضة اقتصادية تنقل البلاد من مستنقع الجهل والتخلف إلى آفاق العلم والتقدم. مسكين حسنى مبارك. كثيرا من تواطأ على «تلبيسه» وحده أوضاع مصر المزرية. فنسمع هنا وهناك من يقول «ثلاثون عاما من القهر والظلم». وآخر يقول «ثلاثون عاما من الاستبداد والانهيار الاقتصادى». وكأن عهدى السادات وعبدالناصر كانا عهدى الحرية والعدل والتنمية، وكأن المشكلة تتلخص فى مبارك ونظام مبارك وكأن مبارك لم يتسلم تركة ثقيلة ممن سبقوه.

الحقيقة أن مشكلة نظام يوليو الكبرى منذ تأسيسه وحتى تصدعه الشديد بعد ثورة يناير المجيدة هو أنه فشل فى قيادة جهاز الدولة، وبالتالى فشلت الدولة المصرية فى قيادة عملية التنمية الاقتصادية. بل لم تنجح كثيرا حتى فى وظائف الحد الأدنى لأى دولة مثل الأمن والدفاع والقضاء. تشهد على ذلك هزيمة مصر المروعة فى 1967 وعدم نجاحها فى 1973 إلا فى تحرير شريط ضيق من سيناء واضطرارها فيما بعد إلى تحرير الباقى من خلال اتفاقية قدم فيها تنازلات كبيرة.

هزيمة 1967 ليست بداية أفول نظام يوليو. بداية السقوط كانت منذ منتصف الستينيات بعد تواضع انجازات الخطة الخمسية الأولى 1960ــ 1965. مأساة نظام يوليو أنه حاول بناء اشتراكية بلا اشتراكيين ورأسمالية بلا ليبراليين. فبينما كانت طبول أجهزة دعاية النظام تدق للاشتراكية فى الستينيات كانت الكوادر الاشتراكية والشيوعية من خيرة العقول الأكاديمية مثل فؤاد مرسى وإسماعيل صبرى عبدالله ومن خيرة القيادات النقابية العمالية مثل طه سعد عثمان تقوم بتكسير الحجارة فى الواحات تحت لهيب سياط العساكر. هذا فى الوقت الذى سيطرت على الاتحاد الاشتراكى ــ المفترض أن يقود عملية التنمية الاشتراكية ــ عناصر معظمها انتهازية، ليس لها أى علاقة بالاشتراكية.

نفس الموضوع تكرر فى ظل التحول الرأسمالى. فبينما كان السادات يدق طبول الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات كان نظامه يحاصر حزب الوفد ويشجع التيارات الدينية. وحينما قام مبارك بالتحول الرأسمالى الثانى فى التسعينيات والثالث فى سنواته الأخيرة كان هناك إصرار على يتم ذلك بقيادة كبار موظفى الدولة وأجهزة الأمن وألا يُفتح المجال أمام الليبراليين إلا من خلال الباب الضيق لأمانة السياسات التى ظن بعض «الليبراليين» أنها المدخل لتغيير النظام السياسى من خلال عملية إنزال بالبراشوت لابن الرئيس على قمة الهرم السياسى!

●●●

لقد فشل نظام يوليو فى تحقيق التنمية «الاشتراكية» والتنمية «الرأسمالية» على السواء لأنه أصر على إحالة السياسيين إلى التقاعد وعلى خلق طبقة سياسية جديدة تتشكل أساسا من الضباط والموظفين. لقد أدرك عبدالناصر نفسه أزمة تنظيمه السياسى «الاتحاد الاشتراكى». وقيل إنه كان يفكر فى اعتزال الرئاسة والتفرغ تماما لمهام تحويل الاتحاد الاشتراكى إلى حزب حقيقى. وهذا بالطبع لم يحدث ليس فقط لأن شره عبدالناصر للسلطة لم يكن ليسمح له بذلك، ولكن بالأساس لأن إصلاح الاتحاد الاشتراكى مستحيل. فالأحزاب لا تُبنى من أعلى وإنما من أسفل.

وهذا هو الفارق بالمناسبة بين الحزب الوطنى الديمقراطى والحزب الشيوعى الصينى. كلاهما أحزاب ديكتاتورية. لكن الحزب الشيوعى الصينى بُنى من أسفل وخاض صراعا مريرا فى كل شبر فى الصين قبل أن يصل إلى السلطة. أما الحزب الوطنى فقد ولد من رحم السلطة بقرار فوقى من الرئيس الراحل أنور السادات. وهذا ما يفسر جزئيا اختلاف الانجازات التنموية بين مصر والصين. فلكى تستطيع دولة أن تقود وتحفز عملية التنمية الاقتصادية يجب أن يتولى أمرها نظام قوى من الناحية المؤسسية والسياسية ولا يعتمد فقط على أجهزة الأمن. وهذا النظام يجب أن يمتلك من الأدوات ما يسمح له بحشد تأييد ومشاركة قوى شعبية لصالح مشروعاته ويجب أن يمتلك من الكوادر السياسية ما يسمح له بتنفيذ خططه. الأحزاب السياسية الفعالة هى من أهم تلك الأدوات.

نحن نعيش حاليا فى «الوقت المستقطع» لنظام يوليو. لقد سلم النظام قبل عزل مبارك ومن خلال نائب الرئيس عمر سليمان (الذى التقى بالإخوان المسلمين وقوى أخرى) بما رفضه لمدة ستين عاما وهو فتح الطريق أمام سياسيين من خارج جهاز الدولة لكى يشاركوا فى الحكم ويتولوا إدارة الدولة بموظفيها وبيروقراطيتها بعد أن فشل حكم الموظفين ورجال الأمن. لكن تسليم السلطة أو جزء منها لقيادات سياسية تم تأجيله لحين تعديل الدستور وإجراء انتخابات. هكذا تم تشكيل حكومة تسيير أعمال يترأسها موظف أو تكنوقراطى هو الدكتور عصام شرف. للأسف تم تمرير ذلك بحجة أن المرحلة الانتقالية لن تتجاوز ستة أشهر وأن الدكتور عصام شرف أتى من ميدان التحرير. لكن المرحلة الانتقالية طالت وستأخذ سنة ونصف السنة وربما أكثر. وهذا يعنى أن مصر ضاع عليها وقت ثمين كان من الممكن أن تستغله فى البدء فورا فى تجربة الحكم على يد سياسيين.

لقد أخطأت المعارضة كثيرا حين قبلت بفكرة حكومة تسيير أعمال من التكنوقراط والموظفين المطعمين ببعض السياسيين عوضا عن حكومة ائتلافية مشكلة من القوى السياسية الرئيسية. والمذهل أنه بعد فشل حكومة شرف الذريع وعندما طرحت المعارضة فكرة قيام حكومة إنقاذ وطنى، تم اختيار الجنزورى ليقود هذه الحكومة. مع أن الحكومة الجديدة تحمل فى أحشائها نفس عوامل فشل الحكومة القديمة لأنها حكومة موظفين غير مدعومة بقوى سياسية.

●●●

المهم أننا الآن قد أنجزنا اختيار حوالى ثلثى البرلمان. ولم يتبق إلا الثلث. بانعقاد مجلس الشعب يكون بإمكان ممثليه الاتفاق فيما بينهم على حكومة ائتلافية، مدعومة من القوى السياسية المشاركة فيها وبالتالى حكومة لها قاعدة صلبة فى المجتمع تستطيع أن تستند عليها فى تطبيق الإصلاحات العاجلة المطلوبة لجهاز الدولة. لو اتفقت القوى الرئيسية داخل البرلمان على ذلك لن يكون باستطاعة المجلس العسكرى المماطلة فى تشكيل حكومة شعبية بحق. إن كل تأجيل لتلك الحكومة هو بمثابة تضييع للوقت، لأنه إن عاجلا أو آجلا ستتشكل حكومة ائتلافية تتولى المهمة الصعبة لإصلاح الدولة والاستجابة إلى طموح الشعب فى القيام بنهضة اقتصادية تنقل البلاد خطوات إلى الأمام.

لقد انتهى عهد حكومات الموظفين والتكنوقراط وآن أوان تسليم السلطة لحكومة أحزاب. الكرة الآن فى ملعب القوى السياسية التى حصلت على تأييد فى صندوق الانتخابات لكى تبادر فى هذا الاتجاه. وعلى رأس هذه القوى بالطبع حزب الحرية والعدالة. لكن قبل الشروع فى تشكيل الحكومة يجب مناقشة مجموعة من الحقائق والمبادئ لن تستقر الحكومة الجديدة إلا على أساسها. وللحديث بقية.