ترى ما هي الأسباب الحقيقية لحرمان المصريين في الخارج من التصويت والترشح؟


سياسة        03 نوفمبر, 2011      

لن تقوم لمصر قائمة ما لم تطلق كل طاقاتها من أجل النهضة والتنمية ولكي تتخلص من الظلم والفقر والتخلف والجهل والهمجية. لقد عبرت الملايين في ثورة يناير عن رغبتها في بناء بلد خالي من القهر السياسي، ومن الظلم الاجتماعي، من القمامة ومن التحرش الجنسي. بلد يقوم على التضامن وعلى الحب وعلى إفساح الساحة لكي يشارك الكل في بناء البلد. لا شيء يلخص روح الثورة المصرية فيما يخص حق الكل في المشاركة أكثر من صورة أصحاب الإعاقة وهم يشاركون في مظاهرات ميدان التحرير، وصورتهم وهم يشاركون في تنظيف الميدان بعد عزل مبارك. إنها صورة تكثف روح الثورة التي قالت أننا سنسير معاً صوب المستقبل. لن نترك ورائنا ضعيف أو مريض أو "عاجز". كلنا سواء وكل واحد لديه ما يقدمه لمستقبل هذا البلد.

مصر ليست غنية بثروات طبيعية. ما نملكه هو قليل من الماء وقليل من البترول والغاز وبعض المعادن وبعض الشواطئ وخلافه. ثروة مصر الحقيقية تكمن في طاقتها البشرية. فبماذا نصف من يهمش عن عمد أو عن جهل جزء حيويي من طاقة مصر البشرية؟ بماذا نصف من يصر على إقصاء مصريين من تقرير مستقبل البلاد؟ بماذا نصف من يصر على حرمان المصريين في الخارج من الحق في التصويت في الانتخابات المقبلة؟ التبريرات مضحكة. يقولون أن هناك مشاكل فنية تحول دون تصويت المصريين في الخارج؟ فلماذا لم تزللوا هذه العقبات؟ ولماذا نجح التوانسة في تزليل تلك العقبات ومن ثم صوت التوانسة بالخارج في انتخابات الجمعية التأسيسية الأسبوع الماضي؟

يقولون أن المصريين بالخارج معرضين للتأثير. أو ليس المقيمين في مصر معرضين للغواية؟ أوليس الفقر هو العامل الأساسي الذي يضع الإنسان في موقع الضعف؟ أوليس مستوى معيشة المصريون في الخارج أعلى من أخوتهم في الداخل؟ هؤلاء لن يبيعوا أصواتهم من أجل زجاجة زيت أو كيلو سكر. فلماذا الإقصاء؟ أظن أن الإقصاء يأتي بالضبط من ذلك.. لأن المصريين بالخارج يصعب التأثير على أصواتهم. والسلطة الانتقالية - المنبثقة عن النظام القديم – تخشى فيما يبدو أن يصوت المصري بشكل حر.

لقد بدأت "المؤامرة" بتشكيل لجنة تعديل الدستور التي ترأسها المستشار طارق البشري. التكليف المعلن لهذه اللجنة كان تعديل الدستور لإصلاح وضعية رئيس الجمهورية في النظام السياسي. كان المطلوب هو تحديد مدد الرئاسة بمدتين فقط وفتح الطريق أمام المواطنين للترشح على هذا المنصب بعد أن صاغ ترزية الدساتير المادة 76 لكي لا تسمح بترشح إلا الخاضعين لسلطان المجموعة الحاكمة. لكن لجنة تعديل الدستور تجاوزت تكليفها المعلن ومدت يدها لتعبث بالمادة 75 التي تحدد شروط الجنسية التي يجب أن تتوفر في مرشح الرئاسة. فتشددت اللجنة في تعريفها للمصري الأصيل صاحب الحق في الترشح لهذا المنصب. فأصبح المصري المتزوج من أجنبية مشكوك في وطنيته, وأصبح المصري ممن حمل أحد أبويه جنسية أجنبية وممن حمل هو جنسية أخرى مشكوك في ولائه للبلاد حتى ولو تخلى عن هذه الجنسية. هكذا فإن كل من ولد بالخارج وحصل على جنسية أجنبية بحكم الميلاد لن يكون له الحق في الترشح. حينما سُأل المستشار البشري لماذا تمنع عن هؤلاء الحق في الترشح؟ قال أن مثل هؤلاء لا يحق لهم الالتحاق بالكليات العسكرية وبالتالي من باب أولى ألا يحق لهم الترشح للرئاسة. يا للعجب؟ أنطبق المعايير العسكرية على المدنيين؟ هل نسير في "مدينة" الوظائف العليا أم في عسكرتها؟ القوات المسلحة لها معايير في الصفات الجسمانية واللياقة البدنية مثل ألا يقل طول الجندي أو الضابط عن 160 سم. فهل نقصر الترشح للرئاسة عمن يزيد طوله عن 160سم؟ ما هذا المنطق؟ هل يجامل المستشار البشري العسكر على حساب المصريين في الخارج؟ ما هذا المنطق؟ أليس المستشار البشري من دارسي تاريخ مصر ومن العارفين أن الكثير من أعمدة النهضة المصرية في القرن 19 والعشرين كانوا من المتمصرين ومزدوجي الجنسية؟ ألا يعرف أن جريدة الأهرام نفسها – عمود الصحافة الرسمية - أسسها شوام؟ ألا يعرف أن اثنين من رؤساء مصر – نجيب والسادات – كانت أمهاتهما من السودان الشقيق؟

سيقال لي أصمت. إنها "الإرادة الشعبية". سيقال أن التعديلات الدستورية حصلت على تأييد معظم الشعب في استفتاء "حر". أي حرية تلك التي تعطي للجنة غير منتخبة وغير ممثلة لتنوع الشعب المصري أن تقوم وحدها بعديل الدستور وطرحه للتصويت؟ وأي حرية تلك في أن نستدعي الناس لسؤالهم عن أسئلة مختلفة وفي موضوعات مختلفة وأن نطلب منهم الرد بنعم أو بلا الجملة على تلك الأسئلة؟ ماذا لو كنت من مؤيدي تحديد زمن الرئاسة بمدتين ولكني معترض على التشدد في معايير الجنسية الخاصة برئيس الجمهورية؟ ماذا أفعل؟ هل هناك اختيار ثالث غير نعم ولا؟ "لعم" مثلاً؟ هل يذكركم ذلك بشيء؟ هل تتذكروا استفتاء السادات الشهير عام 1980 والذي سأل فيه المصريين سؤالين مطلوب منهم الإجابة عليهما إجابة واحدة؟ السؤال الأول كان هل توافق على أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي وليس فقط مصر التشريع؟ والثاني كان يقول هل توافق على إلغاء تحديد مدد الرئاسة بمدتين؟ إن نتيجة هذا الاستفتاء المعيوب والمخزي والتي جاءت بالطبع نعم هي التي وضعت مصر في قبضة مبارك لمدة ثلاثين سنة.

"المؤامرة" على المصريين بالخارج ما زالت مستمرة. فما زال البعض يناور في تفعيل حقهم التصويت. ماذا تخسر مصر من العزل السياسي للمصريين بالخارج؟ الخسارة فادحة. إنها علامة على أن المصريين بالخارج أنصاف مواطنين وغير مرحب بهم في تقرير مستقبل مصر السياسي. فكيف لنا أن نطلب منهم دعم مشروع نهضة البلاد؟ فليعلم الكل أن التجارب الناجحة للتنمية مثل الصين – التي تغزو منتجاتها أسواقنا – قامت على الاستفادة من الجاليات المهاجرة للخارج التي تملك علم وخبرة ومال. ولماذا نذهب بعيداً في المقارنة؟ فلننظر إلى إسرائيل التي يتولي رئاسة وزرائها الآن إسرائيلي/أمريكي والتي تقوم قوتها الصناعية والعسكرية على خبراء وعلماء مزدوجي الجنسية. إن ملايين المصرين الذين يعيشون في الخارج هم طاقة هائلة لأي مشروع تنموي حقيقي بما يملكونه من علم وخبرة وعلاقات وأموال. ماذا تقولون عمن يهمشهم ويقصيهم عن عمد أو جهل؟

التشكيك في هوية المصريين بالخارج والتخويف من اختياراتهم السياسية لا يجب أن ينطلي على أحد. في تونس فاز حزب النهضة الإسلامي بنصف أصوات التونسيين في الخارج الذي يعيش أغلبيتهم الساحقة في أوروبا وبالذات في فرنسا العلمانية. وهي بالمانسبة نسبة تفوق ما حصل عليه الحزب من التوانسة داخل تونس. السفر أو الهجرة للخارج لا تعني الانسلاخ الثقافي عن البلد الأصلي. بل أحيانا يكون العكس هو الصحيح بسبب صدمة التعرض لمجتمع مختلف. فلنتكلم بصراحة.. إن إقصاء المصريين بالخارج لا يرجع إلى الشك في وطنيتهم ولكن الشك في قدراتهم! هؤلاء "مشكوك" في أنهم أكفاء وبالتالي هم يهددون بعض من أنصاف الموهوبين الذين يحتلون المواقع الحكومية. وهؤلاء أيضاً "مشكوك" في أن تستطيع السلطات السيطرة عليهم وتوجيهم للتصويت في اتجاه معين لأن مستواهم المعيشي مرتفع ولأنهم بمنأى عن أيادي جهاز أمن الدولة الذي لا يزال يعمل بهمة ونشاط تحت مسميات جديدة. فهل نترك للبعض الساحة لكي يبتر جزء مهم من جسد الشعب المصري؟ هل نترك لهم الفرصة لكي يجهضوا أمال الشعب المصري في النهضة والتنمية التي لن تقوم إلا على حشد طاقات كل المصريين في الداخل والخارج؟ هل نترك لهم الفرصة لكي يعصف بمستقبل بلد دفاعاً عن مصالح ضيقة؟ كلمة واحدة.. انتخابات لا يصوت فيها المصريين بالخارج هي انتخابات مشكوك في شرعيتها.